
دائماً ما كان يراه ملاذه الأخير,ويعتبره عالمه المفضل الذى لم ولن يكتشفه سواه..
لم يكن بالنسبة له مجرد مكان رخو, يركن إليه جسده المنهك بألام الواقع, ويضع فوقه رأسه المفعمة بالأحزان التي أبت أن تتركه منذ لحظة مولده..
كان السرير بالنسبة إليه ذلك المكان المقدس الذي لا يجروء أي مخلوق أن ينتهك حرمته..طالما تغزل فيه,وشكى إليه همومه وأحزانه,إذ كان له بمثابة الصديق الأوحد في عالمه الجديد الذى تجمعه به علاقة فريدة من نوعها لا يدرك مكنونها البشر..
كان يلجأ إليه كلما ضاقت عليه الأرض بما رحبت وكشر له الواقع عن أنيابه التى لا ترحم, وراح يطارده ,بذكرياته الحزينة ,الملطخة بسوء الظن الذي يحيط به من الأهل ,والأقارب, وغدر الحبيبة,وخيانة الأصدقاء , وضحكات عابثة يضحكها بلا سبب فى جلسات السوء,علي المقاهي,وفي أوكار الشيطان,لتتضافر كل هذه التفاصيل البشعة في لوحة قاسية فرضها القدر أمام عينيه فرضاً لا يختفى..
لم يدر لماذا أطلقوا على مملكته المقدسة أرض الوهم,ووصموا ذهابه إليها بالكسل والتخاذل..
هذه هى عادتهم معه دائماً,تماماً مثلما حطموا له جهاز الكمبيوتر أيام الثانوى بحجة أنه لا يستغله سوى فى أعمال المراهقة,وإقامة العلاقات الكاذبة مع الفتيات عبر " الشات ".. حينها إنهال والده بكل ما يملك من قوة بعصا المكنسة علي الكمبيوتر وحطمه تحطيماً, في مشهد مشابه لطفولته البائسة حينما كان يضربه والده بنفس العصا بعد أن يراه يلهو مع أقرانه فى الشارع,فيعلم مصيره المحتوم,ويهرول إلي المنزل مسرعاً حتى لا يضربه والده أمام أصدقائه,ويختبىء تحت السرير,لكن العصا الطويلة كانت تطوله,وربما تورم عيناه,أو تجرح جبهته,دون أن يبالى والده بصرخاته وتوسلاته.. لكن على الأقل كانت رأسه أقوى من جهاز الكمبيوتر الذي خذله وتحطم,بينما ظلت رأسه باقية كما هي بنفس أفكارها وأحلامها التي لم تتحقق أياً منها طوال كل هذه السنوات الطويلة!!
حينما كان يلقنه والده علقة ساخنة تحت السرير,كان يلقي نفسه بعدها عليه,وهو ينتحب بجسده الهزيل الذى نحلته الظروف القاسية,وعلى رأسها وفاة أمه وقت أن كان يحبو في عامه الأول ورأها تسقط أمامه فجأة ماسكة رأسها وقد ارتسمت علي وجهها أعتى علامات الألم , وهو ينظر إليها في رعب,ويلوح بيديه الصغيرة محاولاً مساعدتها عبثاً,بينما هي تنظر له في محاولة يائسة لرسم ابتسامة باهتة لتهدىء من روعه,بينماعينيها تعلن حزنها لفراقه وقد التمعت بدموع الوداع,فى حين ألجمت طفولته فمه عن الكلام الذي لم يتعود لسانه علي نطقه بعد,فراح يصرخ ويصرخ,فى مشهد مازال يتذكره بعد مرور كل هذه السنين, لتتلقفه بعدها أيادى النساء الخشنة,وصدورهن اللاتي تحجرت في فمه, وأفواههن اللاتي أمطرته سباً ولعنات على تهم لم يرتكبها,وظروف رسمها القدر بريشته القاسية,دون أن يكون له دخل فيها..
وحده السرير الذي كان شاهداً على المآسى التي شهدتها طفولته وصباه ومراهقته, هو الذى كان يحنو عليه بتعاطف لم يستشعره في بنى آدم..كان يواسيه مع كل صدمة,وكل علقة يتلقاها من والده مانحاً إياه هدية ثمينة لم تهدها إليه يد بشر من قبل ،إذ لم يكد يغمض عينيه،حتى يضمه سريره برفق شديد رغم ملمسه الخشن,ووبره المشوك,ثم يخلع من عينيه تلك اللوحة القدرية الأليمة المليئة بالأوجاع,والآهات,والدموع,ويفككها فى براعة وحذق,معيداً رسمها من جديد بتفاصيل طالما تمناها أن تتحقق فى أرض الواقع الغريبة عنه..ها هو يعبر إلى وطنه الأوحد..عالم الأحلام الوردية عبر بوابة السرير ,ليلم شمل ما تبعثر,ويعثر على كل ما فقد..ها هى الحبيبة تعود إليه بعد أن يؤسس مشروع ناجح يبدأه بالتعرف على رجل طيب يحبه ويعطف عليه,ويساعده ..ها هو يتأبط ذراعها بحب بينما تذوب أصابعها في أصابعه في شعور يستحيل أن يدركه إلا من يمر بنفس الموقف..ها هم أصدقائه الذين تخلوا عنه في أحلك أزماته,يتساقطون أمامه,وينظرون له في ذل خالطه الحسد وهو يعتلى النجاح الفائق..ها هو مدرسه الذى طالما نعته بالفشل والغباء يفخر أنه كان أستاذه يوماً ما..ها هى أضواء الشهرة تكتنفه،من كل جانب,وقد تناوبت على أذنه وساوس الشياطين فى دعوتها الأبدية للكِبر والغرور,بينما قاومتها نفسه المؤمنة,ليسجد وسط جموع محبيه ومعجبيه,ضارباً المثل والقدوة للمشاهير الذين نسوا الله فأنساهم الله أنفسهم ..
ها هو رئيس الجمهورية يقابله,ويصافحه فى حرارة,لتجمعهما بعدها صداقة حميمة,يتوجها بتعيينه نائباً له,ثم يعتلى بعدها كرسى الحكم..
أبداً لن يتكبر أو يتجبر..
سيرفض الحراسة الشخصية,ومظاهر العنجهة,والسلطة الزائلة..سينقل إقامته لحي شعبى يذوق فيه ألام البسطاء,من إنقطاع المياه,وطفح الصرف الصحى في الشوارع,ومرض الفقراء,وإنعدام ضمير الزبالين الذين لا يجمعون القمامة,ويتركونها في تلالها المرصعة بالذباب..سيقحم نفسه ضيفاً في بيوت المعدومين,ومحدودى الدخل , ليتناول معهم الخبز والفول فى تواضع, ويستمع لأوجاعهم,ومشاكلهم,ويأمر بحلها جميعاً..
سيرحم كل من خذلته الأيام,ويأخذ بيد كل كهل مسن,ويساعد كل شاب طحنته الظروف,ويحتضن كل طفل يتيم,ثم يمنحهم جميعاً سريره هدية ينام كل منهم عليه ليلة ليحلموا بنفس أحلامه القابلة للتحقيق رغم أنها لم تتحقق بعد فى واقعه..
كان يستيقظ من أحلامه وقد امتلأت عينيه بدموع الفرحة،قبل أن يأخذ نفساً عميقاً وقد ظن نفسه حقق كل أمنياته,قبل أن تنتبه حواسه لواقعه المرير لتتبدل دموع الفرحة بدموع الحزن,مع ذلك الصراخ الرهيب الذى يدوي في أعماقه , معلناً سخطه وقهره من تبدد تلك اللوحة الوردية,وتبعثر تفاصيلها من جديد راسمة تلك المنظر البغيض الواقعى,قبل أن يهديء من روعه حامداً الله أن ذلك الصراخ لم يتجاوز شفتيه, رحمة بالعالمين لأنه كان سيصعق أهل الأرض والسماء جميعاً..
ما أدراكُم بأحلامِ قلبٍ تُدفن بالحيا في أحضان الوسادة وتبتلعها المرتبة ، وهو يمد إليها يديه ويبذل قصارى جهده لاصطحابها معه إلي واقعه,الذى كان الاستيقاظ فيه هو الكابوس الذى لم تعتده عينيه,فى عالمه المليء بالأحلام السعيدة فقط..
إلا أن ابتسامة يملؤها الأمل والإيمان كانت تسطر نفسها علي صفحة شفتيه البيضاء,بالحبر الوردى ليعود لوجهه إحمراره المفقود,وهو يمنى نفسه باليقين,والوعود الأكيدة أن تلك الأحلام ستتحقق يوماً,ثم يطبع قبلة حانية على سريره،قائلاً في نفسه " كم كنت أتمنى أن تكون هذه يد أمى التي أقبلها كل صباح " وكعادته يفتح التلفاز لمتابعة ذلك البرنامج الشهير الذى يفسر الأحلام.. يا الله..إن كل أحلامه،لها معانى ودلالات تبشر بالسعادة,وذلك الرجل مفسر الأحلام يعده بأن أحلامه ستتفسر بالخير والصلاح.. إن حبيبته تنتظره,ولن تحب سواه..إن وضعه سيتحسن,وسيصبح ذو شأن عظيم..سيكون ذو كلمة عليا,وسلطة لا تجور عليها الأيام..
ابتسامة ساخرة ترتسم على شفتيه وهو يتخيل والده الذى سيفاجأ بما حدث لابنه الفاشل.. ستكون مفاجأة العمر لأبيه عندما تتغير الأمور مائة وثمانون درجة .. سيثبت له أنه أعظم ابن فى الوجود،بعد أن تبتسم فى وجهه الأيام يوماً .. مرة أخرى تنفتح شهيته لأحلام جديدة يكتشفها في عالمه الخاص, فيتثائب من جديد ويشتاق لسريره فى حنين ملتهب, يدفعه للقفز فوق السرير ، ثم يحتضن وسادته الخالية فى رفق..
قبل أن يعود من جديد..
لعالم الأحلام।